الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
210
مختصر الامثل
« لَّهُ مَا فِى السَّموَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ » . لا يكون هناك قيام بشؤون العالم بغير ملكية السماوات والأرض وما فيها ، لذلك فهذه الآية - بعد ذكر قيومية اللَّه - تشير إلى حقيقة كون العالم كله ملك خاص للَّه ، وأنّ كل تصرف يحدث فيه فبأمر منه . من الواضح أنّ التقيد بهذا يعتبر في الواقع عاملًا مهماً من عوامل التربية ، إذا اعتقد الإنسان أنّه ليس المالك الحقيقي لما يملك وإنّما هو يتصرف به لفترة قصيرة من الزمن ، فسيمتنع - دون شكّ - عن الاعتداء على حقوق الآخرين وعن الحرص والطمع والاحتكار والبخل وأمثالها مما يتولد في الإنسان نتيجة التصاقه بالدنيا ، فيكون ذلك مدعاةً لتربيته تربية تجعله قانعاً بحقوقه المشروعة . « مَن ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ » . وهذا ردّ على ادعاء المشركين الذين يقولون إننا نعبد الأوثان لتكون شفعاءنا عند اللَّه كما ورد في الآية ( 3 ) من سورة الزمر : « مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى » . وهذه الآية من نوع الاستفهام الاستنكاري ، أي ما من أحد يتقدم بشفاعة إليه إلّابإذنه . هذه الآية تكمل معنى قيومية اللَّه ومالكيته المطلقة لجميع ما في عالم الوجود . « يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ » . بعد الإشارة إلى الشفاعة في الآية السابقة ، وإلى أنّ هذه الشفاعة لا تكون إلّابإذن اللَّه ، تأتي هذه الجملة لبيان سبب ذلك فتقول إنّ اللَّه عالم بماضي الشفعاء ومستقبلهم ، وبما خفي عليهم أيضاً . وعلى هذا فأنّ اللَّه محيط بكلّ أبعاد الزمان والمكان فكل عمل حتى الشفاعة يجب أن تكون بإذنه . وفي ثامن صفة مقدسة تقول الآية : « وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ » . ومن هذه الفقرة من الآية يستفاد أمرين : الأوّل : أنّه لا أحد يعلم شيئاً بذاته ، فجميع العلوم والمعارف البشرية إنّما هي من اللَّه تعالى . والآخر : هو أنّ اللَّه تعالى قد يضع بعض العلوم الغيبية في متناول من يشاء من عباده فيطلعهم على ما يشاء من أسرار الغيب . وفي تاسع وعاشر صفة إلهية تقول الآية : « وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّموَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يُودُهُ حِفْظُهُمَا » .